Arab Science - A Journey of Innovation Qatar Foundation
   

الكيمياء والخيمياء



لم تستسلم الخيمياء السحرية بسهولة، كما نرى هنا في القرن التاسع عشر في إيران










مهـدت خيميـاء جـابر بن حيـان الطريق لنشـوء الكيميـاء الحديثـة






جهاز تقطير عربي قديم



أوان زجاجية عربية من القرون الوسطى



مكونات مختبر عربي من القرون الوسطى














الــرازي، الكيميـائي والطبيب، يعمـل في مختبـره


















رغم تراجع جابر بن حيان عن مسعاه الخيميائي لتحويل الرصـاص إلى ذهب، إلا أن الفضـل يعـود إليـه في اكتشاف كيفية التلبيس بالذهب والفضة





 

مثلت ولادة علوم الفيزياء لدى العرب في القرنين السابع والثامن الميلاديين تجلياً آخر للفتوحات العلمية التي كانت تجري على مستوى علوم الرياضيات والفلك والجغرافية العربية، التي اعتمدت إلى حد ما على التراث العلمي العريق لبعض الشعوب التي دخلت تحت حكم الخلافة العربية.


قد تكون الكيمياء من أبدع ما جادت به العبقرية العربية في الميدان العلمي. وكان أول وأبرز من عمل من العرب في علم الكيمياء الجديد جابر بن حيان الذي استقدمه الخليفة هارون الرشيد للعمل في بيت الحكمة عند بداية تأسيسه في بغداد.


ويرجع نسب جابر بن حيان إلى أسرة يمنية كانت قد هاجرت من اليمن ثم استقرت شرق بلاد فارس قبل أكثر من قرن من الزمان. ومن حسن حظه بداية ثم تعسه لاحقاً، أنه هو وعائلته كان لهم يد في العديد من المؤامرات السياسية التي شاركت فيها أسرة فارسية مرموقة تسمى أسرة البرامكة. فقد ساعد البرامكة العباسيين في الاستيلاء على السلطة من الأمويين، لكنهم بعد ذلك لم يعودوا من المرغوبين.


بيد أن السياسة لم تمثل سوى مضمار جانبي لجابر بن حيان. فعشقه الأول كان ينصب على كشف أسرار المواد وتركيباتها...وابتكار مواد جديدة من مكونات أخرى ثم اكتشاف استخدامات جديدة لهذه الابتكارات.


وجد جابر الذي عاش أواخر القرن السابع الميلادي أن عمله في هذا الميدان العلمي، خلافاً لعلوم الرياضيات والفلك، كان ينطلق من نقطة الصفر تقريباً. فلم تكن الكيمياء قد تجلت حقيقة كاختصاص علمي منفصل لدى الثقافات السابقة. فبدايات علم المعادن كانت تتركز على البحث عن المعادن النفيسة والمعادن المستخدمة في الصناعة والحرب. فقد عرفت الحضارات الرومانية والهندية والصينية هذه المعادن واستخدمتها استخدامات شتى. وتمثلت المسائل التي كان علماء المعادن يهتمون بها في كيفية منع تآكل المعادن وكيفية جعلها أكثر قساوة أو طواعية، وطرق ابتكار أفضل أنواع الخلائط المعدنية كالبرونز. وإلى جانب هذا الاستعمال النفعي لعلم المعادن في بداياته، ظهر أيضاً اتجاه صوفي وسحري إلى حد ما في التعامل مع المسائل الفيزيائية. فأصل كلمة سحر “مَجيك magic” الإنكليزية يعود إلى الكلمة الفارسية “مَجوس”. ومع أن هذه الكلمة كانت تستخدم عادة للدلالة على كبار قساوسة العقيدة الزردشتية، إلا أنها صارت تستخدم لوصف من يدّعي ممارسة السحر والشعوذة.


لذلك فعندما بدأ جابر بن حيان تجاربه، كانت درجة الوعي بهذين الاتجاهين ترسم معالم ما جاء به. ويبدو أنه كان ميالاً للكيمياء الفيزيائية وكذلك الكيمياء “الروحية” التي أصبحت تعرف لدى الغرب فيما بعد باسم الخيمياء “alchemy”. وتعود هاتان الكلمتان في اللغة الإنكليزية الحديثة، “chemistry” و“alchemy”، إلى أصل واحد، فكلتاهما مشتقتان من الكلمة العربية الكيمياء، لأنهما في الفكر العربي القديم كانتا تمثلان المسعى نفسه باستخدام أدوات مختلفة.


ولأن العلم الحديث لا يقيم وزناً للكيمياء “الروحية”، فقد صرف بعض العلماء النظر عن أعمال جابر بن حيان باعتبار فكره منحرفاً بسبب فضوله تجاه السحر، بل إن بعضهم يعده خيميائياً أكثر منه عالماً كيميائياً حقيقياً وإن كان قد خاض في أعماله في كلا الميدانين. ومع ذلك فلا بد للدراسات العلمية الحديثة من الإقرار أيضاً بأن جابر تمكن من تحقيق مجموعة من الفتوحات السباقة لزمنه والقابلة للتحقيق علمياً، وإن كان قد سعى خلف فضوله حول إمكانية تطبيق الكيمياء “الروحية”.


ومن الجدير بالذكر أيضاً أن هذا التهميش للمفكرين الأوائل من أمثال جابر بن حيان يعود جزئياً لانحياز الفكر الحديث. إذ يتناسى كثيرون أنه حتى بعض كبار العلماء الغربيين مثل إسحاق نيوتن كانوا أيضاً خيميائيين إلى أبعد الحدود حتى أواخر القرن السابع عشر.


ويبدو أن ابن حيان كان قد أدرك بحدسه أنه يجب الفصل بين هاتين الطريقتين في دراسة الكيمياء. فقد صاغ مبدأ واضحاً شكل أساساً للمنهج العلمي التجريبي المعاصر، حيث يقول:


“إن أول ركن في الكيمياء يجب عليك القيام به هو التطبيق العملي وإجراء التجارب، لأن من لا يقوم بالتطبيق العملي ولا يجري تجارب لن يصل إلى أدنى درجات الإجادة للعلم. لكن عليك يا بني أن تقوم بالتجارب سعياً لاكتساب العلم. فالعلماء لا يبتهجون بوفرة المواد؛ وإنما الذي يسعدهم تميز منهجياتهم التجريبية.”


إن قائمة منجزات ابن حيان وبعض خلفائه كالرازي والكندي ينبغي أن تبعد أي شكوك بشأن كونهم علماء كيميائيين حقيقيين أم لا. فالفضل يعود لابن حيان في اختراع أول إمبيق أو جهاز تقطير، الذي ما زالت أشكال حديثة منه تستخدم في مخابرنا اليوم. لقد كان مغرماً خصوصا بالمواد التي نسميها اليوم الأحماض، وبدأ بوضع تصنيفات لها. وفي هذا السياق، نحن مدينون أيضاً له بالتعرف لأول مرة إلى أحماض الهيدروكلوريك والستريك والنتريك. كما اكتشف جابر بن حيان أيضاً مادة تعرف باسم الماء الملكي التي يمكن استخدامها لإذابة الذهب والبلاتينيوم.


وبحث ابن حيان أيضاً عن طرق لحل المشكلات اليومية التي يواجهها الإنسان في المنزل والعمل. ويبدو أنه كان أول من اخترع طرقاً لحماية الحديد والفولاذ من الصدأ. كما ابتكر طريقة لإزالة الظلال المخضرة عن الأواني الزجاجية. واكتشف صباغاً للملابس وطرقاً لجعلها مانعة لدخول الماء.


ويرجع الفضل لابن حيان في اكتشافه مصادفة، بينما كان يغلي النبيذ، لمادة الإيثانول التي تعد أحد أركان الوقود البديل في عصرنا. وكذلك اختراعه لأدق ميزان مخبري في عصره. وينسب إليه أيضاً اكتشاف شكل من أشكال الحبر السحري الذي كان له أهمية خاصة للسياسيين والقادة العسكريين في ذلك الوقت إذ بدؤوا بالانتقال بعملية التجسس وتشفير الرسائل السرية إلى مستوى أعلى من التعقيد.


وطرح ابن حيان نظرية مبكرة في الجزيئات والذرات، ومع أنه لم يستطع إثباتها لكنها كانت تشبه إلى حد ما فهمنا الحالي الذي تدعمه المجاهر الجبارة ونظرية الذرة المتقدمة. وابتكر ابن حيان أنواعاً جديدة من صباغ الشعر وقدم نظرية عن مصدر الجاذبية وحاول تصنيف الأملاح ومواد الطلاء ومواد التشحيم.


وصنفت اكتشافاته فيما يزيد على 200 رسالة، بعضها بقي وكثير منها فقد. ومما عقد الأمر أكثر إصرار ابن حيان على كتابة عمله المهم بشيفرته السرية الخاصة به. والمفارقة أن اسمه كما يكتب باللاتينية (Geber) أصبح أصل الكلمة الإنكليزية (gibberish) التي تعني حالياً: كلاماً مبهماً!


وكما نعلم كان ابن حيان ميالاً للكيمياء الروحية أيضاً، ورغم أن بعض المصادر تشير إلى أنه كان مدفوعاً لذلك برغبة دنيوية في الثراء السريع عبر تحويل الرصاص إلى ذهب، لكنه يبدو أنه كان يبحث عن شيء أسمى من ذلك.


فلقد كان جابر بن حيان في مسعاه الخيميائي القديم يبحث عن سر تكوين الحياة. وكان يبحث في هذا سراً وبعيداً أعين الرقباء، لأنه ربما كان سيخالف بذلك التعاليم الدينية التقليدية.


وكما هو متوقع، ربما لم يصل بحث جابر القديم عن سر التكوين إلى شيء. فعلى مر قرون من الزمان لم يقدم هذا البحث شيئاً سوى الروايات الأوروبية اللاحقة عن العالم المجنون كما تبدى في كل من الدكتور فاوست وفرانكشتاين.


لكن مع تطور أدوات أكثر تعقيداً، من مثل أبحاث العوامل الوراثية وفك شفراتها، وتقنيات الاستنساخ والإلقاح الصناعي، بدأ حلم جابر يقترب أكثر من الواقعية. إن كون أحد العرب الأوائل قد فكر وبحث في هذه المسائل قبل 1.200 سنة جدير بأن يبعث الاحترام من جديد لهؤلاء العلماء الأوائل الذين كانوا على استعداد لأن يعرضوا أنفسهم للخزي والنقد الديني بل حتى الموت من أجل أفكارهم.


وفي حين أن جابر ينطبق عليه أكثر المفهوم الحديث لمصطلح الكيميائي المتخصص، كان خلفه في الكيمياء العربية - الكندي – عالماً إسلامياً متعدد الاختصاصات والمعارف بالفعل، حيث كان، إضافة إلى الكيمياء، موهوباً على نفس الدرجة في الفلسفة والرياضيات والعلوم والمنطق وعلم النفس وعلم الأرصاد الجوية.


كان الكندي عراقياً، ويعد أول فلاسفة المسلمين العرب العظام، كما كان أحياناً على صلة وثيقة بالقيادة السياسية للخلافة العباسية. ولقد أدخله عمله هذا في مجال التشفير، وينسب إليه أول وصف لتحليل التكرار في الكتابة المشفرة.


لكن عمله في الكيمياء يحظى باهتمام خاص لأنه كان أيضاً ملتزماً بالمنهج التجريبي. بيد أن الكندي، خلافاً لابن حيان، كان مناهضاً ورعاً للخيمياء التي كان يعدها معدومة النفع كلية، حتى إنه كتب رسالتين «الأولى تحذير من تضليلات الخيميائين» والثانية «دحض مزاعم من يدعون التركيب الصناعي للذهب والفضة»، مهاجماً ممارسة الخيمياء ليس لأسبـاب دينيـة بل على أسس علمية متينـة. وكان يلح أنه لا أسـاس لها في الواقع، وإنمـا فقط في الخيـال والأمـاني.


ورغم أن الكندي كان مهتماً بحقول علمية متعددة تتراوح من الموسيقى إلى الميتافيزيقيا، بيد أن ثمة مجالات محددة في الكيمياء كانت تجتذبه أكثر من غيرها. فيعزى إليه وإلى ابن حيان معاً اكتشاف الإيثانول وفصل الكحول الذي غدا كمعقم ركناً مهماً من أركان الطب عند العرب. ولأنه كان مهتماً بالروائح خاصة، فهو يعد أيضاً أبا صناعة العطور الحديثة، فقد وضع وصفات للعطور والعقاقير الطبية ومستحضرات التجميل. ويعد كتابه «كيمياء العطر» الأول من نوعه في هذا المجال.


لكن الكندي لم يقنع بالحصول على فهم أفضل للتطبيقات اليومية للكيمياء في مجال العطور ومستحضرات التجميل فقط. بل يبدو أنه في كشف حدسي لا يمكن شرحه قفز إلى واجهة علم الفيزياء عندما صاغ نظرية مبكرة في النسبية في القرن التاسع لم يمكن لأحد البرهنة عليها رياضياً إلى ما بعد 1.000 سنة على يد ألبرت أينشتاين. ولقد استخدم الكندي كلمة نسبية حين كتب قائلاً:

“ يوجد الزمن فقط مع الحركة: الجسم مع الحركة؛ الحركة مع الجسم...إذا وجدت الحركة، فلا بد من وجود جسم؛ وإذا وجد الجسم، فلا بد من وجود حركة.”


وجاء بعد الكندي مفكر آخر متعدد المواهب واصل تطوير الكيمياء والطب العربيين. إنه الرازي الذي ولد في بلاد فـارس حـوالي سنة 865م ثم اجتذبه النشاط الفكري القوي في بغداد. وربما يكون قد بدأ حياته المهنية في السوق كصراف للعملة، لكنه كان رجلاً موهوبـاً واهتم مبكراً بالكيمياء والخيمياء. وفي زمن لاحق لم تأت شهرته لدى الأوروبيين من أبحاثه الكيميائية بقدر ما جاءت من إنجازاته الطبية الكبيرة التي انتشرت في أوروبا انتشار النار في الهشيم في بداية القرن الثاني عشر.


ويعتقد أن إصابات وحالات تسمم تعرض لها نتيجة تجارب كيميائية كان قد أجراها فأضطرته إلى التحول إلى الطب، على الأقل للبحث عن علاج لآلامه. ويبدو أنه ابتعد عن الكيمياء في الثلاثين من عمره تقريباً ليكرس وقته للطب. وثمة خلاف بين المؤرخين إن كان الرازي كيميائياً حقيقياً أم أنه في الواقع خيميائي وقع مصادفة على بعض الاكتشافات. وينبع جزء من هذا الخلاف من الفهم المعاصر للاستخدام المبكر لكلمة الخيمياء. فبالنسبة للرازي كما هو بالنسبة لجابر بن حيان، مثل الجانب الروحي أحد منهجين، وهو كان عازماً على اختبارهما كليهما.
ويقول المؤرخ العربي ابن النديم أن الرازي ألّف 19 رسالة يدافع فيها عن الخيمياء، تتضمن رسالة هاجم فيها الكندي وغيره ممن شككوا في إمكانيات الخيمياء والكيمياء الروحية.


وتشير روايات عديدة إلى أن الرازي استمر على الاعتقاد بإمكانية تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، لكنها تختلف فيما إذا كان يقصد أن هذا يمكن أن يجري بطرق سحرية أم بعمليات كيميائية لم تكتشف بعد.


ويذكرابن النديم أن الرازي كتب بحثين خيميائيين، أحدهما بعنوان الأسرار والآخر بعنوان سر الأسرار. لكن هنا أيضاً، عندما ننظر في هذه النصوص، نجد أن معظم المعلومات الواردة فيها تمثل معلومات كيميائية واضحة، وإن كانت قديمة أحياناً، لكنها ليست وصفات سحرية .


وعندما يقرأ أحدنا الروايات المختلفة لتطور مسيرة الرازي المهنية وعمله، يشعر أن الرازي كان يزداد شكاً بل وحتى خيبة أمل في الجانب الصوفي أو الروحي للخيمياء .


وتقول إحدى القصص عن الرازي إن كرمه المعتاد في تقديم العلاج الطبي مجاناً للفقراء ولد الارتياب لدى أحد القادة العسكريين الذي اتهمه علناً باكتشاف طريقة لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب . فهذه كانت الطريقة الوحيدة التي فسر بها هذا القائد قدرة الرازي على تأمين وتقديم العلاج المجاني . ويذكر أحد المؤرخين الفرس أن الرازي رد على هذا الاتهام بالآتي :

إني أفهم الخيمياء ولقد بحثت في الخصائص المميزة للمعادن مدة طويلة. لكن لم يتبين لي بعد كيف يمكن استخلاص الذهب من النحاس. ورغم الأبحاث التي أجراها العلماء القدماء على مر القرون، فليس هناك جواب حتى الآن، وأنا أشك كثيراً في إمكانية ذلك...”


ومع ذلك فقد حول الرازي هذا الشغف بصنع الذهب إلى اختراع كيميائي عملي . فقد تعلم كيف يلبس المعادن الآخرى بطبقة أوراق من الذهب، وبذلك تمكن أخيراً من تحويل الرصاص إلى ذهب ولو ظاهرياً . وفعل الشيء نفسه بورق الفضة .



ومرت ستة أو سبعة قرون أخرى قبل أن يعلن العلماء نهائياً وصراحة رفض المفهوم السحري للكيمياء والفيزياء . لكن ورغم وصول هذا المنهج الذي اتبعه ابن حيان والرازي في بحثهما إلى طريق مسدود، إلا أن ميراثهما العلمي سيستمر في الحضور والتأثير حتى القرن الحادي والعشرين، سواء من حيث التزامهما بالتجريب والاختبار، أو من جهة الأدوات المخبرية العديدة التي اخترعاها أو ساعداعلى تحسينها . فمن بين هذه الاختراعات المخبر الكيميائي الحديث والإمبيق و الهاون وملاعق الصيدلاني والقوارير والدوارق وحمض الكبريتيك والأفران والمواقد المخبرية، والعمليات الكيميائية للتصعيد والبلورة والتقطير والتبخير والترشيح .


إن هذه الاكتشافات وحدها تساوي من حيث قيمتها في العالم المعاصر ربما أكثر من قيمة تحويل الرصاص إلى ذهب .

العودة الى اعلى الصفحة